النحافة المفرطة وصعوبة كسب الوزن
الحقيقة الأعمق التي يغفلها الكثيرون هي أن النحافة المفرطة وصعوبة كسب الوزن لها جذور نفس-جسدية عميقة جداً ، بعد استبعاد الأسباب العضوية البحتة (مثل نشاط الغدة الدرقية الزائد أو ديدان الأمعاء).
1. المنظور البيولوجي: كيف يحرق التوتر الوزن؟
في علم الأعصاب والغدد الصماء، يعيش الشخص النحيف (نحافة نفسية) في حالة تسمى "فرط التنشيط الأيضي المستحث بالتوتر" ( وتحدث هذه العملية عبر مسارين:
- وضعية "الفرار المستمر" ومعدل الحرق: عندما يقع الجهاز العصبي تحت وطأة القلق المزمن، الخوف من المستقبل، أو صدمات الطفولة غير المعالجة، يظل في وضعية الطوارئ . هذه الوضعية ترفع هرمونات الأدرينالين والكورتيزول بشكل مستمر. بيولوجياً، هذه الهرمونات ترفع معدل الأيض (الحرق) إلى أقصى درجة، فيصبح الجسد أشبه بـ "محرك سيارة يعمل بأقصى سرعته وهو واقف في مكانه"، فيحرق كل سعرة تدخل إليه فوراً دون الاستفادة منها.
- تعطيل الجهاز الهضمي (امتصاص معدوم): عندما يفرز الجسد هرمونات الطوارئ، فإنه يسحب الدم والأكسجين بعيداً عن الجهاز الهضمي ويوجهه للعضلات والمخ للمواجهة. النتيجة؟ يقل إفراز الأنزيمات الهاضمة، وتضعف حركة الأمعاء، ويصبح امتصاص المغذيات ضئيلاً جداً. الشخص يأكل، لكن خلاياه لا تمتص، فيخرج الطعام دون أن يتغذى الجسد. الجسد ينكمش ويتراجع في المساحة. العقل الباطن يترجم رغبة الأمان بيولوجياً.
2. الجذر النفسي والشعوري (لغة الوعي والجسد)
نفسياً، زيادة الوزن تعني: التوسع، أخذ المساحة، الظهور، وبناء درع حماية (الدهون). عندما يرفض الجسد هذا التوسع ويصر على النحافة، فهو يعبر عن صراعات خفية في المربعات التالية:
- الرغبة في "الاختفاء" وعدم أخذ مساحة: في العمق النفسي، قد تكون النحافة ناتجة عن صدمة قديمة أرسلت رسالة للعقل الباطن مفادها: "من الأمان لي ألا يراني أحد، من الأمان أن أكون غير مرئي". يحدث هذا في البيئات التي تعرض فيها الطفل للنقد القاسي، أو التهديد، أو المقارنة، فيصغر الجسد مادياً ليتناسب مع رغبة النفس في الاختفاء والتواري عن الأنظار خوفاً من الأذى.
- رفض التجسد المادي (العيش في العقل فقط): الأشخاص النحاف جداً غالباً ما يكونون غارقين في الأفكار، التحليل، التخطيط، والقلق المستمر (تفكير مفرط). طاقة جسدهم كلها متركزة في الرأس والعقل، بينما يعيش الجسد المادي في حالة إهمال أو انفصال. الجسد يترجم هذا الغياب بالزهد في تخزين المادة والوزن.
- مقاومة النضج أو الأنوثة المكتملة: عند بعض الفتيات، ترتبط صعوبة زيادة الوزن ومقاومة ظهور المنحنيات الأنثوية بخوف باطني من النضج، المسؤولية، أو صدمات قديمة تخص الهوية الأنثوية أو التحرش. الجسد هنا يتمسك بشكل "طفولي" نحيف كدرع حماية يمنع لفت الانتباه العاطفي أو الجنسي في عالم لا يشعر فيه بالأمان.
3. كيف تبدأ رحلة التشافي والامتلاء من الجذور؟
الشفاء هنا لا يبدأ بفتح الشهية قسراً، بل بـ "إعلان السلام وأخذ المساحة":
تمرين "تأريض الجسد": نقل الوعي من الرأس والتفكير المفرط إلى الجسد المادي. ممارسة الرياضات الواعية (مثل اليوجا أو المشي الحافي)، والاتصال بالحواس الخمس، يرسل إشارة للجسد أنه متصل بالأرض، فيبدأ بالاستقرار وتخزين الوزن.
تغيير المعتقد حول "الظهور": العمل على فك شيفرة المعتقدات القديمة عبر حوار باطني: "من الأمان لي الآن أن أتكامل، من الأمان لي أن يرانى الناس، ومن حقي أن آخذ مساحتي الكاملة في هذا العالم".
الأكل بحب وأمان: التوقف التام عن الأكل في حالة تشتت أو قلق. تناول الوجبات بنية "تغذية الخلايا وإرسال الأمان لها"، والابتعاد عن الهوس بحساب السعرات الذي يضع الجهاز العصبي في حالة توتر إضافية تمنع الامتصاص.
إذا كنت تعبت من العيش في وضعية المحارب، وتشعر أن الأفكار تلتهم طاقة خلاياك، وأن جسدك يحمل أحمالاً تفوق طاقته ويحتاج بصدق للمساعدة في تفريغ المشاعر المكبوتة وإعادة الأمان لجهازه العصبي.. فلست مضطر لخوض هذه الرحلة بمفردك.
بصفتي مختصة ، أساعدك خطوة بخطوة على التحول من وضعية الخوف إلى وضعية الاستقبال والاتزان العضوي والنفسي.
دمت في أمان وسلام داخلي،
ماريا عبد الرحيم,
أخصائية إجتماعية وممارسة معتمدة لتقنية العلاج التحولي السريع